السبت، فبراير ٢٣، ٢٠٠٨

مفهوم القوامة

السلام عليكم

أنتظم الأن بدورة تدريبية على الزواج –آه والله ... الجواز دلوقتى بأه بيتاخدله دورات- اسمها بـيـتـنـا ينظمها فريق زدنى فى مصر وكانت أولى محاضراتها بالأمس ... وقد تناولت عدة نقاط اساسية:



  • بدأت بالهدف من وجود وخلق الإنسان،
  • ثم الهدف من تكوين الأسرة،
  • ثم مفاهيم أساسية للزواج،
  • ثم أسس بناء الأسرة أو الدعائم الأساسية التى تقوم الأسرة عليها،
  • وإنتهاءًا بمفسدات العلاقة الأسرية أو العوامل التى تؤدى لإنهيار الزواج –بعيد عن كل السامعين-.

كل هذا جميل ... ولكن ماشدنى فعلا واستفدت به من هذه المحاضرة الأولى هو نقاش عن القوامة.

بدأ الأمر عندما كان المحاضر يسرد مفسدات الزواج وذكر أن من مفسدات الزواج فساد بعض المفاهيم بين المتزوجين ومن ضمنها مفهوم القوامة ... وبدأ المحاضر كلامه فى هذه النقطة بسؤال للحضور عن مفهوم القوامة ... أجاب بعض الحضور ثم رفعت يدى كالبطل لأجيب ... وأُذن لى فقلت التالى "القوامة هى المرجعية النهائية للقرار فى البيت والتى تؤول للزوج بعد المشورة مع الزوجة بحكم أمر الإسلام لنا بالمشورة فى كل أمورنا وكما هو واضح فى سيرة النبى (صلى الله عليه وسلم) فى بعض المواقف" ... وهنا أختلف معى المحاضر ذاكرا أن:

  • أولا: تفسير القوامة من القرأن هو "قيام الرجال على النساء بالحماية والرعاية" تفسير المنار للشيخ رشيد رضا ... طبعا هذا تفسير لأحد الشيوخ وقد يكون هناك تفسير آخر ... ولكنى أميل لهذا التفسير حيث أن كلمة القوامة قد تكون مأخوذة من القيّم على اليتيم وهو المهتم بتصريف شؤون حياته والإهتمام به ورعايته.
  • ثانيا: القرار النهائى فى الأسرة لابد ان يكون للأكفأ وليس للرجل فمثلا، لو أن الزوجة تعمل مدرِّسة والزوج يعمل طبيب والأبوان مختلفان فى المدرسة التى يريدان إدخال أولادهم بها ... فتكون الكلمة النهائية فى هذا الأمر للزوجة لكفاءتها فى هذا المجال ... ولكن لو أن موضوع الإختلاف هو كمّ الملابس التى يلبسها الإبن فى الشتاء مثلا يكون الرأى الأخير للزوج الطبيب ... هذا الرأى أعجبنى جدا واقتنعت به كثيرا ... وفى مناقشة صغيرة بعد المحاضرة مع أخ لى كان حاضرا للمحاضرة معى قلت له "نعم هذا صحيح ولكن فى النهاية الله سيحاسب الزوج على قيادة سفينة الزواج وسيحاسبه على القرارات التى تحكم الأسرة ... فالزوج هو المسؤل الأول عن قيادة سفينة الزواج وبالتالى هو الذى سيسأل يوم القيامة عن صلاح أو فساد هذه المسيرة" رد علىّ أخى باقتضاب "وسوف يحاسبك الله على اتخاذك للقرار بغير كفاءة فى الوقت الذى اهدرت فيه كفاءة زوجتك".

إلى هنا أنا مقتنع تماما بهذه الرؤية للقوامة ... ولكن يبقى شئ أخير،

الزواج بالنسبة لى هو عمل جماعى ... ومن أساسيات العمل الجماعى ثلاثة أمور أساسية متناقضة فى الظاهر متكاملة فى الباطن:

  • المرونة فى الحركة داخل الفريق وأحيانا فى اتخاذ القرارات.
  • الوضوح الشديد فى تحديد مسؤلية كل فرد للمحاسبة فى حالة المخالفة أو التقصير البيِّن.
  • القيادة ... أو وجوب تحديد قائد للمجموعة.

فى ظل هذه المفاهيم الثلاثة والرأى السابق فى القوامة ... كيف يمكن وضع آلية لاتخاذ القرارات داخل الأسرة؟ ففى رأيى لا يصح ان يكون هناك أكثر من قائد فى أى مجموعة عمل.

تصورى الحالى لهذه الألية هو الشورى ... أى أن الزوج مازال هو القائد ولكن لابد له من المشورة مع الزوجة مع الأخذ فى الإعتبار أن رأى الزوجة فى مجال كفاءتها يزن أكثر من رأى الزوج والعكس بالعكس ... وبذلك نكون دمجنا بين رأيى الاول وراى المحاضر ... وأنا لست أهدف للانتصار لرأيى ولكن أهدف الوصول للحقيقة ... هذا تصورى وأرغب فى أراءكم فيه ... وجزاكم الله خيرا

السلام عليكم

الثلاثاء، فبراير ١٩، ٢٠٠٨

جيمى كارتر ... قبل الفجر بساعة ... مذكرات الصبا فى الريف

السلام عليكم

كتاب اليوم هو كتاب "قبل الفجر بساعة ... مذكرات الصبا فى الريف" للرئيس الأمريكى السابق "جيمى كارتر" ... يتناول الكتاب فى صفحاته -والتى تبلغ مائتين وسبعين صفحة- مذكرات الرئيس الأميريكى السابق فى فترة الطفولة والمراهقة فقط فى قريته الصغيرة التى نشأ فيها ... أهم ما فى هذا الكتاب أنه يعطى صورة عن الحياة فى بقعة من أمريكا فى هذه الحقبة الزمنية –ثلاثينيات القرن الماضى- ... وأهم ما لفت نظرى فى هذا الكتاب مايلى:

  • التمييز العنصرى -على حسب اللون- السائد فى أميريكا فى ذلك الوقت.
  • إهتمام هذه الأسرة الريفية –أسرة كارتر- بالقراءة.
  • النزعة الدينية الواضحة فى أميريكا فى هذا الوقت.


التمييز العنصرى

وهذا مافوجئت به من خلال قرائتى لهذا الكتاب ... فرغم تأخر التاريخ الذى يحكى عنه الكاتب ... إلا أنى فوجئت لمدى العنصرية التى كانت موجودة آنذاك والمتمثلة فى:

  • عدم جواز دخول بيوت البيض –بالنسبة للسود- إلا من الأبواب الخلفية!!
  • الجلوس -للسود- فى جزء منفصل فى القطارات عن أماكن جلوس البيض.
  • الجلوس فى الصفوف الخلفية فى المسارح والمحاكم.
  • غير مسموح للسود بالإنتخاب

كل هذا فى الثلاثينيات من القرن الماضى ... أى منذ حوالى سبعون عاما فقط وهذه الفترة فى قياس الزمان ليس بطويلة ... فعجبت كيف أن قوما بدأوا حياتهم بإبادة شعب –الهنود الحمر- وأنهوا سيرتهم بهذه التفرقة العنصرية الصارخة ثم يتشدقون بالقول أن الإسلام يشجع على الإستعباد؟ ... كيف والإسلام منذ أربعة عشر قرناً يرغب فى تحرير العبيد ومساواتهم بغيرهم؟ ... سبحان الله.


إهتمام أسرة كارتر بالقراءة

كان هذا فعلا من أكثر ما شدنى فى الكتاب ... فجميع أفراد عائلة كارتر كانوا يعملون بجد –عدا أخواته البنات- فأمه كانت تعمل ممرضه ... ووالده يعمل فى مزرعته وكان يشجع ابنه -جيمى- دائما على العمل فى المزرعة واحيانا فى أعمال اخرى بجانب المزرعة ... وبالرغم من هذه الحياة الجادة الكادحة ... إلا أن هذا لم يمنع هذه العائلة من الإهتمام بالقراءة ... وسأضرب مثلا واحدا على إهتمام جيمى كارتر بالقراءة وهو مازال صبى ... يقول كارتر أنه دائما كان يتمنى فى الكريسماس أن تكون الهدية كتبا ... وفى احد أعياد الكريسماس وجد الهدية بالفعل كتب ولكن فى نفس اليوم أصيب بالحصبة وأمرته أمه أن يبقى فى الغرفة المظلمة وألا يستخدم عينيه ولكنها ضبطته وهو يقرا أسفل السرير من شدة تعلقه للقراءة!

لعل هذا يرشدنا إلى أهمية القراءة وأهمية غرس أهميتها ومحبتها فى نفوس أولادنا الصغار ... فنحن أمة أفتتح دستورها بكلمة "إقرأ" فلا يستقيم أن يكون حظنا من القراءة كما نرى.


النزعة الدينية

يكاد لا يخلو فصل من الستة الفصول التى قرأتها حتى الأن بدون ذكر الكنيسة أكثر من مرة ... سواء ذكر دورها التعليمى ومشاركتها فى توفير أماكن للدراسة أو ذكر أداء الصلوات بها ... كما أنه من الواضح أن عائلة كارتر –بالإضافة للعديد من العائلات الأخرى فى نفس قريته- كانت تواظب على حضور الصلوات بانتظام فى الكنيسة ... ولا أعلم هذا الإلتزام الدينى الملحوظ راجع لظروف المعيشة القروية والتى تسمح بالإلتزام الدينى اكثر من ظروف المعيشة المدنية ... أم أن ذلك هو حال التدين فى امريكا فى الثلاثينيات؟ ... فحال التدين الأن فى أميريكا -كما نعلم- فى قمة التدنى ... فالغالب الأن على الحالة الدينية فى أميريكا هو إهمال الدين تماما وعدم التصديق بالديانات عموما ... أو على أحسن الأحوال حصره فى بعض المناسبات الخاصة فقط ... حتى أنه قد ظهر تعبيرا جديدا ألا وهو "مسيحى ممارس" إشارة إلى المسيحى الذى يقوم بتعاليم دينه من صلوات وماإلى ذلك و "مسيحى غير ممارس" إشارة إلى المسيحى بالإسم فقط!

أخيرا ... هذا الكتاب يعتبر فرصة جيدة –بالنسبة لى- لمعرفة ظروف فترة من الزمان فى تاريخ أميريكا عن قرب بمعرفة أحوال اناس وليس فقط قراءة التاريخ السياسى لنفس الفترة ... فليس الهدف معرفة السيرة الذاتية لشخص جيمى كارتر فقط –وإن كان لابأس بهذا- ولكن أيضا التعرف على فترة من تاريخ أميريكا عن قرب.

الجمعة، فبراير ١٥، ٢٠٠٨

أُمـرت أن أقـاتـل النــاس

السلام عليكم

حديث صحيح للنبى الكريم (صلى الله عليه وسلم) يقول فيه:

{ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها }

طالما حاولت فهمه ولكنى عجزت عن فهمه الفهم الصحيح ... وآخر ماوصل إليه عقلى -القاصر- هو أن قتال النبى الكريم للأعداء يتوقف عند نطقهم بالشهادة –كأنه إقرار للواقع بعدم جواز قتال المسلم إلا فى حالات قليلة جداً- وليس الهدف من القتال هو حمل الناس على الدخول فى الإسلام قصرا ... ويؤيد ذلك الكثير من الآيات القرأنية الدالة على ترك حرية الإعتقاد للإنسان ... ولكنى لم أتوسع فى البحث عن تفسير الحديث –وهذا تقصيراً أقر به- ... وبينما كنت اقرأ فى كتاب للشيخ "محمد الغزالى" بعنوان "علل و أدوية" -وهو مقسم لمقالات كل مقال من صفحتين إلى اربعة أو خمسة صفحات- وجدت مقالا يتناول هذا الحديث بالبحث والتفسير ... فأردت أن أشارككم إياه مشدداً على معناً هاماً:

لا يستقيم الخوض فى القرآن والأحاديث -بغير علم- محاولين الحكم على الأحكام –بعقولنا القاصرة- ولكن نقول سمعنا وأطعنا –ولو لم نقتنع- ثم نحاول جادين فى البحث عن العلة من الحكم ... فإن وجدناها حمدنا الله ... وإن لم نجدها نَقُلْ سمعنا وأطعنا ليس من باب التسليم اللاواعى ... ولكن من باب البناء العقلى المتسلسل للنتائج على الأسباب ... فخالق هذا الكون العظيم أعظم من أن ندرك جميع حكمته فى خلقه بعقولنا القاصرة والذى لازال العلماء منذ بدء الحضارة حتى الأن يحاولون معرفة حكمة الله فى خلقه –أقصد العقل الإنسانى- ولم يتوصلوا -إلى الأن- إلا إلى القليل عنه ... سبحان الله.

والأن أترككم مع كلام الشيخ:

================

حديث يعطي معناه للوهلة الأولى حكماً لم يقل به الفقهاء، ومن ثم فإن قبوله مطلقاً أو رفضه مطلقاً لا يجوز ! والواجب استبانة معناه الحقيقي كما قرره الراسخون في العلم.

والحديث من رواية البخاري: { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها }.. مصدر الخطأ في الفهم كلمة "أقاتل الناس" تعني البشر كلهم!

وهذا غلط بإجمع العلماء، فإنهم اتفقوا على أن الحديث لا يتناول أهل الكتاب من يهود ونصارى.

لماذا؟ لأن المعتدين من هؤلاء إذا ضربت الحرب بيننا وبينهم ونسوامنطق الإيمان والحلال والحرام في تصديهم لنا، لم نقاتلهم حتى ينطقوا بالشهادتين، بل إذا كسر الله شوكتهم، بقوا على أديانهم، وجردناهم من أسلحة العدوان وتولينا نحن الدفاع عنهم إذا هاجمهم أحد.

وعليهم- والحالة هذه- أن يسهموا في نفقات الحرب.

وهذا- ما أبانته سورة براءة:

{ قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [سورة التوبة، الآية 29]

فليست الغاية من القتال إذن أن يقولوا: لا إله إلا الله، كما جاء في الحديث.

فإذا كان كان أهل الكتاب مستثنين من الحديث المذكور، فهل هو يتناول الوثنين كلهم؟

والجواب: لا! ففي حديث آخر صحيح إلحاق الماجوس بأهل الكتاب "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".

الحق أن الحديث في مشركي العرب الذين ضنوا على الإسلام وأهله بحق الحياة، ولم يحترموا معاهدة مبرمة، ولا موثوقا مأخوذاً.

وقد منح هؤلاء أربعة شهور يراجعون ويصححون موقفهم، فإن أبوا إلا القضاء على الإسلام وجب القضاء عليهم.

وقد فصلت سورة براءة هذه القضية في أولها:

{ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } [سورة التوبة: الآية 4]

أما من نصبوا أنفسهم لحرب الله وسوله وعباده إلى آخر رمق فلا يلومون إل أنفسهم.

وقد يتساءل البعض: لماذا جاءت كلمة الناس عامة في الحديث: "أمرت أن أقاتل الناس"؟ والجواب: أن "الـ" كما يقولب علماء اللغة للعهد، تأمل قوله تعالى:

{ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } [سورة آل عمران: الآية 173]

فكلمة الناس الأولى: تعني بعض المنافقين، والثانية: تعني بعض الكفار وهذا هو المعهود في أذهان المخاطبين، وتأمل قوله تعالى:

{ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا } [سورة النصر: الآية 2]

الناس هنا ليسوا البشر جميعاً، إنهم العرب وحسب.

رأيت فريقاً من الناس يخدعه الظاهر الغريب في هذا الحديث فيتوهم أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يشن حرباً شاملة على البشر.

ولا يزال يحرجهم حتى ينطقوا بالشهادتين.

وهذا فهم- كما أسلفنا لم يقل به فقيه، ولايستقيم مع مرويات أخرى في غاية الصحة والوضوح.

ولم يؤثر عن تاريخ المسلمين وهم يقاتلون (الإمبراطوريات) الإستعمارية التي أظلم بها وجه الحياة قروناً عدة.

ورأينا ناساً آخرين يسارعون إلى تكذيب الحديث، دون وعي، ويتخذون منه ذريعة إلى مهاجمة شتى الأحاديث الصحيحة دون تمحيص لسند أو متن، ودون تقيد بقواعد اللغة أو مقتضيات السياق.

وقد رأيت لاولئك القاصرين أفهاماً في كتاب الله لابد من محاربتها وإهالة التراب عليها.

السبت، يناير ٠٥، ٢٠٠٨

هل انتشر الإسلام بحد السيف حقا؟ .. الجزء الثالث

السلام عليكم

أولا عذراً على الإنقطاع فترة عن إستكمال هذه السلسلة ... والأن نستكمل بعون الله وتوفيقه.

تناولت فى التدوينة السابقة -فى هذه السلسلة- "أسلوب عقلى بسيط لدرأ أى شبهات تتعلق بالإسلام" ... وخلصت فى هذه المناقشة إلى وجوب النظر لأساسيات العقيدة ورفضها أو قبولها ابتداءا ثم البناء على هذا الموقف –الرفض أو القبول- المواقف الرافضة أو الموافقة على تشريعات الإسلام ... فمن أمن بالله ربا وبمحمد –صلى الله عليه وسلم-رسولا لا يستقيم –عقلا قبل نقلا- الحكم بعقله على تشريع إلهى ... كيف وهو يؤمن ان الله هو الذى خلق له عقله الذى يحكم به؟؟!!

وموعدنا فى هذه التدوينة مع العنصر الثانى من المناقشة وقد استعنت فى هذه التدوينة بالمصدر التالى [1]

2. براهين من القرأن على ترك حرية الإعتقاد للإنسان

بدايةً ... يجب التنويه على إعتقاد هام لدى المسلمين ... يعتقد المسلمون فى أن الله خالق الكون –جمادا وحيوانا وإانسانا ونباتا وكل شئ- وأنه القادر على فعل أى شئ فى الكون ... وأن الإنسان إنما يشعر بحرية الحركة فى حياته واتخاذه للقرارات بما أعطاه الله له من الحرية ... وأن الله خلقنا فى هذه الحياة إبتلاءًا -اختبارا- لنا ... بعد كل هذا لايعقل أن يكون فى شرع الإسلام والمسلمين الذين يؤمنون بكل هذه العقائد السابقة مايفيد بحمل الناس على إعتناق الإسلام ... فلو شاء الله لم يخلق الناس إبتداءا أو خلقهم كلهم مسلمين ... وفى هذا يقول الله تعالى فى كتابه العزيز ...

{ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } يونس 99

{ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ } الشورى 8

{ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } هود 118

{ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } النحل 93

{ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } المائدة 48

{ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } السجدة 13

{ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } الأنعام 107

وآيات أخرى كثيرة تدل على نفس الفكرة ... إذن ... ففكرة إكراه الناس على الدخول فى الإسلام مرفوضة عقلا ونقلا.

أيضا ... من غير المعقول أن يُكره أحد على اعتقاد معتقد ما ... ممكن أن أكره شخص ما على إظهار مظهر معين –كأن أكرهه مثلا على الصلاة أو تغيير خانة الديانة فى بطاقته الشخصية- ولكن لا يمكن أن أكرهه على إعتقاد أمر ما ... ولو نظرنا للإسلام بتأمل لرأيناه يهتم بالقلب أكثر كثيرا من المظاهر ... ويكفينا فى هذه النقطة قول الله تعالى نقلا عن سيدنا إبراهيم فى دعائه ...

{ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } الشعراء 87-89

فالأساس هو القلب ... فلم يقل الله تعالى "إلا من أتى الله بصلاة كثيرة" ولا " إلا من أتى الله بزكاة كثيرة " ولكن ... القلب هو المقياس ... فكيف بعد إعتماد الإسلام على القلب كمقياس للدين والعقيدة ... يكره الناس على مظاهر الدين تاركا قلبهم؟؟!!

وفى نفس الوقت ... فى حالة إستضعاف المسلم وإرغامه على الكفر بالتعذيب أو التهديد بالقتل ... أتاح له الإسلام النطق بكلمة الكفر شريطة إطمئنان قلبه بالإيمان ... وفى ذلك يقول الله تعالى ...

{ مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } النحل 106

فأيضاً ... القلب هنا هو الفيصل ... بالرغم من أن المظهر مظهر كفر إلا أن القلب قلب مؤمن ... وعلى النقيض نرى المنافقين ... المظهر مظهر إسلام والقلب قلب كفر ... وفيهم يقول الله تعالى

{ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } النساء 138

{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } النساء 145

{ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا } الأحزاب 24

فكيف بعد كل هذا يُكره الإسلام الناس على إعتناقه؟؟!!

وأخيرا ... فصل الخطاب فى هذا الموضوع ... الأيات التى تنص صراحةً وبوضوح على حرية الإعتقاد ...

{ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } البقرة 256

{ وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا } الكهف 29

{ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ } يونس 108

{ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ } الغاشية 21-22

{ قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ } الأنعام 104

هذه الأيات ... وأخرى كثيرة لا يتسع المقام لذكرها ... أظنها وافية لمن أراد الوصول للحق ... فهذا كتاب الله ... دستور المسلمين ... ينص صراحة على حرية الإعتقاد ... فكيف بعد كل هذا يقول قائل أن الإسلام إنتشر بحد السيف ... يا إخوتى ... أليس منكم رجل رشيد؟؟!!

{ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } غافر 44

إلى اللقاء فى التدوينة القادمة -إن شاء الله- و " براهين من صحيح السنة على عدم الإجبار على إعتناق الإسلام ".

السلام عليكم

===============

المصادر

[1] حرية العقيدة في القرآن الكريم ... مؤتمرالحقوق الجوهرية

الخميس، يناير ٠٣، ٢٠٠٨

كتاب – معالم المشروع الحضارى ... الجزء الثانى

السلام عليكم

نستكمل معا ما بدأته من عرض لكتاب "فى ذكرى مئوية ميلاد الإمام الشهيد حسن البنا ... معالم المشروع الحضارى فى فكر الإمام الشهيد حسن البنا" للكاتب والمفكر الإسلامى "د/محمد عمارة".

عرضت فى الجزء الأول ومضات من حياة الإمام حسن البنا ... ذلك الرجل الربانى الملهم كما يصفه الكاتب ... واليوم أستكمل عرض ما ذكره الكاتب من ملامح للمشروع الحضارى للإمام.

الفصل الثانى: التأسيس لليقظة الإسلامية الحديثة

يسرد الكاتب فى هذا الفصل حلقات الصحوة الإسلامية والتى بدأت بالشيخ "جمال الدين الأفغانى" والذى يقول عنه الشيخ "محمد عبده" "وجه الأفغانى عنايته لحل عقد الأوهام عن قوائم العقول ... أما مقصده السياسى: فهو إنهاض دولة إسلامية من ضعفها وننبها للقيام على شئونها ..."

وتلت حلقة الشيخ "جمال الدين الأفغانى" حلقة الشيخ "محمد عبده" والذى يقول معبرا عن دعوته "لقد ارتفع صوتى بالدعوة إلى امرين عظيمين:

الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف ...

أما الأمر الثانى: فهو إصلاح أساليب اللغة العربية فى التحرير..."

تلت هاتان الحلقتنان حلقة الشيخ "محمد رشيد رضا" ثم حلقة الشيخ "حسن البنا".

الفصل الثالث: تصاعد التحدى ... وعموم البلوى

ويذكر الكاتب فى هذا الفصل البلوى التى عمت الإسلام والمسلمين ... المصيبة التى هزت الأمة من الأعماق ... المصيبة التى قد لا تدانيها مصيبة إلا -ربما- مصيبة التتار فى العهد العباسى ... إنها مصيبة سقوط الخلافة عام (1924مـ) ... ومما زاد من عمق الجرح إنتهاز بعض المنتمين للإسلام -بالإسم- للفرصة والبدء بالنهش فى جسد الأمة التى لم تتعافى بعد من جرحها ... ظهر هذا فى عدة أمور

الأول: نشر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للكاتب والشيخ الازهرى "على عبد الرازق" عام (1925مـ) وكان اول كتاب يزعم أن الإسلام دين لادولة؛ أى ... يفصل الدين عن الدولة ويدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله!!!

الثانى: نشر كتاب "فى الشعر الجاهلى" للدكتور "طه حسين" عام (1926مـ) والذى شكك فيه فى عقائد قرآنية.

وتلت ذلك عاصفة من التغريب ومحاولة تهميش التراث الإسلامى فى الحياة العامة والتقليد الأعمى لكل ما هو غربى ... وصدق الرسول الكريم حين قال "... حتى لو دخلو جحر ضب خرب لدخلتموه ورائهم"!!! الحديث بالمعنى.

الفصل الرابع: الجامعة الإسلامية فى طور جديد

يتناول هذا الفصل القصير إنتقال النهضة الإسلامية من مرحلة مخاطبة الصفوة فى عهد "جمال الدين الافغانى" و"محمد عبده" و "محمد رشيد رضا" وبدايات عهد "حسن البنا" إلى مخاطبة العامة بعد تأسيس جماعة "الإخوان المسلمين" عام (1928مـ) وذلك ردا على جميع المصائب السابق ذكرها ... فكانت المرحلة السابقة بمثابة إعداد الصفوة الذين سيقودون العامة إلى المشروع الإسلامى النهضوى الجديد.

الفصل الخامس: من معالم التجديد فى مشروعه الحضارى

يناقش الكاتب فى هذا الفصل مايميز المشروع الحضارى للشيخ حسن البنا –متمثلا فى جماعة "الإخوان المسلمون"- عن باقى الحركات الدينية والأحزاب السياسية ... ونظرا لكثرة هذه العوامل و عدم إتساع المجال لمناقشة كل عامل على حدى ... سأكتفى فقط بذكر العوامل كرؤوس أقلام وعلى من يريد الإستزادة الرجوع للكتاب.

أولا: التميز عن المؤسسات الدينية التقليدية.

ثانيا: الجمع بين "النظر العقلى" و "النظر الشرعى".

ثالثا: مرونة الشريعة ... والإنفتاح على الحكمة الإنسانية.

رابعا: إسلامية النظام النيابى الدستورى.

خامسا: رفض التغريب ... ونقد الحضارة المادية الغربية.

سادسا: التمييز بين المقدس المعصوم ... وبين التراث الفكرى.

سابعا: النقد لتاريخ الدولة ... ولمناهج الفكر فى التاريخ الإسلامى.

ثامنا: الإستقلال الحضارى الشامل ... وسيادة الأمة.

تاسعا: تكامل دوائر الإنتماء؛ الوطنى ... القومى ... الإسلامى ... والإنسانى.

عاشرا: رفض التكفير لمن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

حادى عشر: فى العدل الإجتماعى؛ فقه الواقع ... وبرنامج الإصلاح.

ثانى عشر: سنة التدرج فى الإصلاح.

هنا انتهى الكتاب ... ورغم صغر حجم هذا الكتاب إلا أنى أجده مليئا بمعلومات وأراء كثيرة ... وموضحا لظروف هذه الحقبة التى خاضت فيها الأمة مجموعة من الزلازل والمصائب التى لازلنا نرى آثارها حتى الأن ... لذا فأنا أنصح بشدة بقراءة هذا الكتاب ... ولن يكون وقتا ضائعا إن شاء الله.

معلومات عن الكتاب

اسم الكــتاب: فى ذكرى مئوية ميلاد الإمام الشهيد حسن البنا ... معالم المشروع الحضارى فى فكر الإمام الشهيد حسن البنا

اسم الكــاتب: د/محمد عمارة

النــــــاشـــر: دار التوزيع والنشر الإسلامية

تاريخ النشـر: 2006 مـ

السلام عليكم